محمد جمال الدين القاسمي
449
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
اليهود والنصارى ورسلهم فوجد عددهم لا يتجاوز الخمسين . روى في عدتهم أحاديث تكلّم في أسانيدها . منها حديث أبي ذر : إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا . والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر . صححه ابن حبان . وخالفه ابن الجوزيّ فذكره في ( موضوعاته ) واتهم به إبراهيم بن هاشم . وقد تكلم فيه غير واحد وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً يعني خاطبه مخاطبة من غير واسطة . لأن تأكيد ( كلّم ) بالمصدر يدلّ على تحقيق الكلام . وأن موسى عليه السلام سمع كلام اللّه بلا شك . لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر . فلا يقال : أراد الحائط يسقط إرادة . وهذا رد على من يقول : إن اللّه خلق كلاما في محلّ . فسمع موسى ذلك الكلام . قال الفراء : العرب تسمي كل ما يوصل إلى الإنسان كلاما ، بأي طريق وصل . لكن لا تحققه بالمصدر . وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام . فدل قوله تعالى تَكْلِيماً على أن موسى قد سمع كلام اللّه حقيقة من غير واسطة . قال بعضهم : كما أن اللّه تعالى خص موسى عليه السلام بالتكليم وشرفه به ولم يكن ذلك قادحا في نبوة غيره من الأنبياء ، فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة لم يكن قادحا في نبوة من أنزل عليه كتابه منجما من الأنبياء . كذا في ( اللباب ) . تنبيه : يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام . فإنها من أعظم مسائل الدين . وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين . واضطربت فيها الأقوال . وكثرت بسببها الأهوال . وأثارت فتنا وجلبت محنا . وكم سجنت إماما . وبكت أقواما . وتشعبت فيها المذاهب . واختلفت فيها المشارب . ولم يثبت إلا قول أهل السنة والجماعة . المقتفين لأثر الرسول صلى اللّه عليه وسلم وصحابته الكرام رضي اللّه عنهم . فنقول : قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية عليه رحمة الرحيم السلام ، في كتابه إلى جماعة العارف عدي بن مسافر ما نصه : فصل ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان . مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات ، فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة : أن القرآن كلام اللّه منزل غير مخلوق ، منه بدا وإليه يعود . هكذا قال غير واحد من السلف . روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وكان من التابعين الأعيان قال : ما زلت أسمع